8:13 مساءً / 1 أغسطس، 2021
آخر الاخبار

عباس والجريمة وخيارات الطغيان بقلم : علي الصراف

عباس والجريمة وخيارات الطغيان بقلم : علي الصراف

السير في الطريق الأعوج سهل على أهل الطغيان. لا تفهم كيف. رغم أن الطريق الآخر أسهل بالفعل.

ولقد اختارت سلطة الرئيس محمود عباس الطريق الأعوج بعينين مفتوحتين، رغم أنها لم تكن مضطرة الى ذلك. كما اختارت أن تلوث أيديها بالدماء رغم أنها آخر من يمكنه أن يتحول الى سلطة جلادين ضد شعب هو نفسه تحت الاحتلال.

باغتيالها الناشط نزار بنات، قالت السلطة الفلسطينية إنها آخر من يمكنه أن يتحمل أعباء قضية، الحرية هي عنوانها الوحيد.

أي سلطة في الدنيا يمكن أن تواجه اتهامات بالفساد. السبيل الصحيح، والأقل كلفة، هو فتح تحقيق شفاف، بمشاركة أصحاب الاتهام، لكي يكشفوا كل ما عندهم. فإذا ثبت أن هناك فسادا بالفعل، فإن مكافحته في مهده أفضل من تركه يتضخم ليتحول الى شبهات تحرق الأخضر واليابس.

هذا الإجراء أقل كلفة من النكران. على الأقل لكي لا تتحول الشبهات الى شائعات، والشائعات الى انطباعات تعتمل في كل نفس، وتضع المتهمين بالفساد في موقف دفاعي لا مبرر له.

السلطة الفلسطينية لا تملك الرفاهية لأن تجد نفسها تحت طائلة اتهامات من هذا النوع، ليس فقط لأنها سلطة تعيش على المساعدات الخارجية، بل لأنها سلطة تحت الاحتلال أيضا.

الذين يقدمون المساعدات من حقهم أن يعرفوا كيف يتم إنفاق أموالهم. والمرء لا يستطيع أن يُعلي مطالب الحرية من أي احتلال وهو منخور بالفساد.

الإسرائيليون يعرفون لماذا يصب في مصلحة الاحتلال أن تكون السلطة الفلسطينية سلطة فساد. وهم يعملون على تغذيته وتوفير الأدوات والمبررات له. لأنهم في النهاية يريدون أن يجعلوا من تلك السلطة منخورة ومتعفنة الى الدرجة التي لا تؤهلها للمطالبة بأي حقوق.

هل هذا اكتشاف؟ هل الرئيس عباس لا يعرفه؟

لماذا إذن، يختار الطريق الأعوج؟ لماذا يختار النكران ويميل الى تكميم الأفواه بدلا من معالجة المسألة وفقا لأسس القانون وقيمه؟ أم أن “الذي على راسه بطحة، يتحسس عليها”؟

الجدل الذي أثارته “قائمة الحرية والكرامة” للانتخابات التشريعية الملغاة بدعوتها الدول الأوروبية الى وقف تمويل السلطة الفلسطينية، كان كافيا بحد ذاته لوضع نزار بنات، الثاني في تلك القائمة، في موضع العدو المبين لسلطة الرئيس عباس.

وبعد عدة اعتقالات واعتداءات سابقة، انتهى الأمر بقتله على يد عناصر جهاز الأمن الذين أوسعوه ضربا بالهراوات حتى خر صريعا بين أيديهم وهو على فراشه، قبل أن يقتادوه الى السجن، وقد أصبح جثة هامدة.

هذا السلوك الوحشي يدل على طبائع أهله. وهو يكشف عن هويتهم الحقيقية. ويقول ما يكفي ليؤكد أنهم لا ينتمون الى قضية شعبهم، ولا يمكنهم تمثيلها، وأنهم مجرد جلاوزة أقل رحمة على شعبهم من الاحتلال الإسرائيلي نفسه.

إنه احتلال، ولكن في مقابل سلطة أثبتت لنفسها ولشعبها وللعالم بأسره أنها أسوأ من الاحتلال.

نزار بنات هو واحد من آلاف النشطاء الفلسطينيين الذين ينضوون تحت لواء العشرات من القوائم الانتخابية الذين يطالبون بمكافحة الفساد في السلطة الفلسطينية. ولكنها بدلا من أن تحقق في اتهامات الفساد، لتبرئة نفسها، فقد آثرت أن تلجأ الى اعتقال وتعذيب وتهديد الذين يطالبون بمكافحة الفساد.

الرئيس عباس، نفى في وقت سابق أمام مجلس الأمن الدولي، بعينين مفتوحتين أيضا، أن يكون هناك فساد في سلطته. إلا أنه لم يسمح بإجراء تحقيقات شفافة حول هذه المسألة. وظلت كرة الثلج تكبر.

بنات ورفاق آخرون جمعوا ما يبدو أنه ملف يتعلق بقضايا الفساد، وقالوا إنهم سوف يتوجهون بها إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، من أجل المطالبة بوقف الدعم المالي للسلطة، وبفتح ملف التحقيق في الأموال المهدورة لدافعي الضرائب الأوروبيين.

هل كان من الضروري في مواجهة هذا الاتهام، الذي قد يصح أو لا يصح، أن يرتكب المرء جريمة قتل تدينه بالدليل المشهود؟

الانتقادات لأداء السلطة الفلسطينية، تمتد الى كل ألوان الطيف السياسي، إلا أن سياسات تكميم الأفواه، والاعتقالات، وأخيرا الاغتيالات، تضع هذه السلطة في واد سحيق من العزلة بما اختارت أن تلوث يدها به، فسادا وتنكيلا وسفك دماء.

ماذا ينقص لكي تخسر أي سلطة الشرعية بعد ذلك؟ وهل يكفل القمع تكميم الأفواه فعلا؟

سؤالان، لم يبق فلسطيني إلا ويعرف جوابهما.

الآن، وقد اختار الرئيس عباس أن يتصرف حيال شعبه كجلاد، فإنه يملك أحد خيارين شريفين فقط: إما أن يفتح الأبواب لتحقيق شامل وشفاف في كل قضايا الفساد، على الأقل لكي يبرئ نفسه. أو أن يستقيل.

لا يوجد خيار ثالث.

إلا أنه إذ اختار أن ينزلق الى هاوية من دون قرار، فلسوف يتاح له أن يعرف ما عرفه غيره من الطغاة.

للمرة الأولى أصبحت الدعوة (ارحل، ارحل يا عباس) مسموعة له وهو محاصر في مقر سلطته.

غيره حوصر بدبابات الاحتلال. أما هو فقد حوصر بشعبه. ويا له من خزي. ويا له من عار.

شاهد أيضاً

الرئيس السوري يكلف عرنوس بتشكيل الحكومة

شفا – أصدر الرئيس السوري، بشار الأسد، يوم الأحد، مرسوما يقضي بتكليف رئيس الوزراء حسين …