بطاقة حمراء لوثيقة مزورة بقلم : عدلي صادق

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 20 أكتوبر 2018 - 2:19 صباحًا
بطاقة حمراء لوثيقة مزورة بقلم : عدلي صادق

بطاقة حمراء لوثيقة مزورة بقلم : عدلي صادق
على مر التاريخ العربي المعاصر، منذ النصف الثاني من القرن الماضي، كان السجال العربي – العربي، يستند في سياقاته المحكية إذاعياً والمنشورة، إلى أباطيل أكثر مما يستند إلى حقائق. وعلى الأجناب، وفي قلب المشهد، كانت هناك دائماً عناصر معنية بتأجيج النزاعات البينية العربية، خدمة لاستراتيجيات السياسة الاستعمارية والأطماع في البترول والمواقع الجغرافية والمواصلات.

كانت المملكة العربية السعودية، في جميع المراحل منذ تأسيسها في العام 1932 قطباً للرحى. قبلها، كانت قبيلة آل سعود، في نجد، لا تزال حياتها بين عاديةٍ ومعدوٍ عليها. وفي الأثناء، كانت الجزيرة العربية، مقصداً للرحالة الجواسيس والمستكشفين. ومن بين أولئك ضابط مكتب إدارة المستعمرات البريطانية، والمستكشف البارع، والمزوّر البارع أيضاً، جون فيلبي، الذي وصل إلى الرياض في العام 1917 قُبيل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها. وكان الرجل يمتلك من قوة الشكيمة وإتقان الخديعة وإجادة اللغات الشرقية، ما جعله يسجل في رحلة الحياة، إحدى أغرب القصص الأسطورية وأكثرها تنوعاً في فصولها وفي مواقع أحداثها ومهامها.

اليوم وأمس وغداً، كلما علا وطيس السجال والتهاجي العربي – العربي، وكانت السعودية قطباً في المعترك، يُعاد نشر ما يُوصف بــ”وثيقة” كتبها الملك عبدالعزيز آل سعود أيام كان سلطاناً على نجد، يمنح فيها فلسطين، لليهود “المساكين”. وفي الواقع، ليست هذه إلا وثيقة مزورة، اخترعها جون فيلبي لمقاصد شخصية مجردة تتسم بالغرابة والطرافة، بعد أن طرده الملك سعود، ولجأ إلى لبنان، وكان قبلها قد حصل على الجنسية السعودية بعد أن أشهر إسلامه، وتزوج من مسلمة وأنجب منها ابنه البكر “خالد” وبات يُكنى “الشيخ عبدالله”.

والحكاية ببساطة، أن فيلبي أرسل وثيقته إلى الملك سعود، في أوائل خمسينات القرن الماضي، مع رئيس وزراء لبناني (على الأغلب سامي الصلح) مع رسالة تهديد بنشرها إن لم يُسمح له بالعودة إلى السعودية. وما حدث أن سعود سمح له بالعودة، لأنه كان من مستشاري والده، ولا يريد أن يمس والده الراحل أي كلام شائن، يصدر من لبنان، بلد الصحافة والدعاية. لكن سعود اشترط على “الشيخ عبدالله” أن يعود لعمله كرحالة أو أن يشتغل في التجارة، فعاد جون فيلبي إلى جدة، وفي جعبته توكيل شركة “فورد” للسيارات.

كان المعارض القومي اليساري ناصر السعيد، هو أول من نشر الوثيقة المزورة في كتابه عن آل سعود، وقد حصل عليها من لبنان. ومع دخول إيران على خط السجال الإقليمي مع السعودية، اعتُمدت الوثيقة المزورة، في العام 1991 كمصدر للرواية المضادة للسعوديين. لكن الحقيقة، هي أن ما جاء في الوثيقة المزورة، يناقض ما كتبه جون فيلبي نفسه، عن موقف الملك عبدالعزيز من قضية فلسطين، في كتاب مذكراته “أيام عربية.. سيرة ذاتية”.

كما أن تلك الوثيقة التي اصطنعها بمعرفته لخط الملك عبدالعزيز، تنافي المنطق، لأن البريطانيين أنفسهم قبل العام 1932 كانوا يفسرون وعد بلفور نفسه، بغير معنى مقاصدهم وهي منح فلسطين لليهود، ثم إنهم كانوا موجودين سلفاً في فلسطين ويحكمونها، وليسوا في حاجة إلى منحة من الملك عبدالعزيز.

بل إن نجد نفسها، كانت على صلة بالإدارة البريطانية في الهند، والهاشميون موصولون بالإدارة البريطانية في القاهرة. الأولى لم تُعن بموضوع فلسطين مثلما كانت الثانية هي المعنية به، ثم إن الملك عبدالعزيز، كان لديه ديوان إنشاء، تطبع فيه مراسلاته، ومن بين مستشاريه شعراء وخطاطون، ولن يكتب وثيقة بهذه الخطورة، بخربشة مائلة.

كان الملك عبدالعزيز، قد استقبل كولونيل الاستخبارات الأميركية هارولد هوسكنز، في صيف العام 1943 على أساس أن الرجل يريد أن يحادثه في موضوع يتعلق بالبترول. ولما فوجئ بأن هوسكنز يطلب منه مقابلة حاييم وايزمان بشأن فلسطين، استشاط في وجهه غضباً واتهمه بتلقي الرشوة من اليهود.

لكن ما يحسم أمر الوثيقة المزورة، بخلاف هذه القرائن، هو محضر اللقاء بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، على ظهر المدمرة الأميركية كوينسي، الراسية في “البحيرات المرة” في مصر في فبراير 1945.

وجاء في المحضر الذي سجله “ويليام آدي” أن روزفلت بدأ الحديث قائلاً لعبدالعزيز “لديَّ قضية هامة، وأرغب في نصيحة جلالتكم ومعونتكم، وهي تتعلق بإنقاذ اليهود الذين قاسوا أهوالاً لا تُوصف، على يد النازية”. ولما كان الملك يتوقع هذه المفاتحة ومضمونها، فقد قاطع روزفلت قائلاً “أعطوهم وأعطوا ذريتهم أملاك الألمان الذين اضطهدوهم من حقول ومنازل”.

رد روزفلت “إن اليهود متعلقون عاطفياً بفلسطين.. والباقون منهم يخشون من البقاء في ألمانيا، حيث يمكن اضطهادهم ثانية”. أجاب عبدالعزيز “لا أشك بأن اليهود، يملكون من الأسباب ما يمنعهم من الثقة بالألمان، وأثق بأن الحلفاء سوف يدمرون القوة النازية إلى الأبد، وهم عند النصر، سيصبحون أقوياء إلى درجة تؤهلهم لحماية ضحايا النازية.

أما إذا كان الحلفاء لا يتوقعون السيطرة بحزم على سياسة ألمانيا في المستقبل، فلماذا يخوضون هذه الحرب الباهظة التكاليف؟”. عندئذٍ، حاول روزفلت استخدام العاطفة فقال للرجل البدوي “إنني أطمح إلى كرم الضيافة العربية، ولأن تساعدني جلالتكم في حل المشكلة”. يرد عبدالعزيز بنزق “التعويضات يجب أن تُفرض على المجرم لا على البريء المحايد”، ثم استطرد قائلاً بسخرية “يبدو هذا الحرص الزائد منكم على أملاك الألمان غريباً بالنسبة إلى بدوي غير مثقف، يولي الأصدقاء اعتباراً أكثر مما يولي الأعداء”.

صمت روزفلت ومضى عبدالعزيز يقول “في عاداتنا العربية عند اقتسام أكلاف الحرب بين القبائل المنتصرة، يُراعى عدد كل قبيلة ووفرة الطعام والمال لديها. إن معسكر الحلفاء يضم خمسين بلداً، وفلسطين من بين البلدان الصغيرة والضئيلة الإمكانيات، وقد حمّلتموها أكثر من حصتها من المهاجرين اليهود”.

بعدئذ، وفي رسالته الأخيرة إلى روزفلت قبل وفاته بقليل، أغلق عبدالعزيز الحديث في رسالة طويلة أخيرة لروزفلت، تسلمها إذ ختمها قائلا “إن دولة يهودية في فلسطين، ستكون ضربة قاصمة لكيان العرب، ومهددة للسلم باستمرار، وسيسود الاضطراب، وإذا نفد صبر العرب يوما، ويئسوا من مستقبلهم، فإنهم سيضطرون للدفاع عن أنفسهم وعن أجيالهم المقبلة إزاء هذا العدوان، وهذا لم يخطر ببال الحلفاء العاملين على سيادة السلم واحترام الحقوق”. وأردف بلغة دبلوماسية “ولا نشك بأن الحلفاء لا يرضون هذه الحالة المقلقة لسلام الشرق الأوسط”.

بناء عليه، لا بد من بطاقة حمراء، للوثيقة المزورة، التي يستخدمها الإيرانيون واليساريون العرب الذين لا يقرأون.

رابط مختصر