كل شيء يترنح بقلم : عدلي صادق

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 27 أغسطس 2018 - 4:22 مساءً
كل شيء يترنح بقلم : عدلي صادق

كل شيء يترنح بقلم : عدلي صادق
يبدو أن حماس باتت الآن في وضع لا تُحسد عليه، وينعكس هذا في تعثر اتفاق التهدئة، الذي بات يُتأتيء وهو الذي بدأ ينطق بلغة فصحى. وأصبح واضحاً، أن الأطراف كلها، تدفع الى تخليص ما تتوهمه لنفسها من حقوق، خصماً من دم غزة حصراً، بقضّها وقضيضها، ومن كرامة سكانها وحقوقهم الإنسانية.

قلنا لحماس أن المقتضى الواجب، هو أن تتحدث بلغة موصولة بثقافة الدولة وأن تقايض شيئاً بشيء، أي أن تجعل الخروج من الحكم ومن المأزق، على قاعدة بناء الكيان السياسي بشروطه الدستورية والقانونية، وأن تُعاد الكُرة الى الشعب للتمكين لإرادته، وأن يكون القانون، هو الضامن للمساواة وتكافؤ الفرص والشراكة السياسية، من خلال مؤسسة التشريع والرقابة، التي تتصدى لجميع الإنحرافات التي أوقعها عباس في نظام الحكم على كل صعيد. لكنها، للأسف، ظلت تراوح في مربع حقوق موظفيها والاحتفاظ بالسلاح والمحاصصة، دون أن تطرح كلمة واحدة عن شروط ينبغي تلبيتها لكي يُعاد بناء النظام السياسي الفلسطيني، على أسس دستورية صحيحة.

لو أنها فعلت ذلك، وطرحته حتى على الأشقاء والأصدقاء والمنظمات الإقليمية وعلى رأسها جامعة الدول العربيه؛ لكانت خدمت الضفة وغزة والفلسطينيين في الشتات، ولأصبحت كل المسائل العالقة منذ أكثر من عشر سنوات، قابلة للحل سريعاً، بما فيها السلاح الذي يصح تأطيره دستورياً، كقوة دفاع فلسطينية.

معنى ذلك أن الطرفين، عباس وحماس، تمسكا بمنطق الحل من حيث ينتهي العقلاء لا من حيث يبدأون. والطرفان خصمان لدودان للقانون ولثقافة الدولة. بل إن الأرجحية في سياق السجال وتعطيل التسوية الداخلية، كانت للمقاطعة، التي استراحت من زن الطرف الآخر ومطالبته بتكريس القانون والوثيقة الدستورية خلال فترة انتقالية، تسبق الانتخابات العامة. بمعنى أن عباس استفاد من عجز حماس عن المطالبة بالشرعية الدستورية، وكل ما تمسكت به هو أرزاق الموظفين التابعين لها والسلاح، وكان ذلك بطريقة تنم عن إصرار على الاحتفاظ بالقدرة على الإكراه الداخلي، في الوقت الذي تُقرر هي فيه، ممارسة الإكراه. وبهذا المنطق ظلمت نفسها وظلمت شعبنا في الضفة وغزة، وجعلت عباس ومواليه، يتحدثون عن السلطة في رام الله، وكأنها هي الحكم الرشيد، والدولة التي لا يُظلم عندها أحد، ولا ينحرف لها كُرسي، ولا تغفو مؤسساتها الدستورية ولا تتثاءب وهي يتراقب وتصحح!

كان الأجدر بحماس، أن ترد على عباس كلما قال إنه يشترط التسليم من الباب الى المحرب، بالقول إن هذا هو عين العقل من حيث المبدأ، ولكن من حقنا كقوة كبيرة لها مؤيدوها في المجتمع أن نسأل: نسُلّم لمن بالضبط، لكم ككيان رصين يلتزم الوثيقة الدستورية ويكرس القانون الذي تنحني له كل الهامات، ولديه مؤسساته المُهابة الضامنة للعدالة ولرشاد الحكم، أم نسلم لعزام الأحمد وحسين الشيخ وماجد فرج وغيرهم من الطامحين الى الإستحواذ على الحكم ومن وراء شعب يظنون أنه قطيع؟!

عندئذٍ يكون الطريق الى الحل قد بدأ من النقطة الصحيحة، وسالكاً ونابعاً من العناصر والمعطيات الفلسطينية البحتة، لا من المتطلبات الأمنية الإسرائيلية. وحتى لو استغرقت عملية التنفيذ عاماً كاملاً، فإن ذلك سيكون زمناً قصيراً بالقياس الى أكثر من عشر سنوات من اللف والدوران.

كأنما فُرض علينا منذ أوسلو، البدء من النقطة الخطأ: عك الكلام في التفصيلات دون رؤية مسبقة للتسوية أو أخذ العلم والتأكيد، عن شكلها النهائي وحتمية تنفيذها، ودون أن يعرف المنخرطون في التفصيلات، أنفسهم، الى أين تتجه الأمور.

باختصار إننا بصدد طرفين يتمسك كل منهما بمنهجية تفجير المجتمع. عباس يطارد في الضفة، كل ما يمكن أن يساعد الناس عندما يغيب، على التقاط خيط النظام والنصاب ومنطق الدولة والانتقال السلمي لمسؤوليات الحكم. فقد جعل التوقعات كلها تنحصر في صراع الدِيكة الطامحين، الذين حوله، ولأن هؤلاء أمامه، ليسوا إلا محض دجاجات، فماذا سيكونون أمام الشعب والوطن الذي أرادوا تحويله الى مناطق. فالرجل لا يكترث لمخاطر تضييع السلم الأهلي في الضفة لكي تؤول الأمور في النهاية للعدو. وحماس من جانبها، وبعد فشلها في حكم غزة، تريد أن تحاصص وأن تأخذ من عباس حصتها وأن تحتفظ بقدرتها على قلب الطاولة، وكل ذلك من وراء الإرادة الشعبية.

عباس الذي يتوغل في الضلال، يتهدد غزة بالمزيد من الخنق، وذريعته هي حماس وتهدئتها أو فوعتها واتفاقاتها الجانبية، وتلك ذريعة كاذبة. فلو كانت صحيحة، لكان معنياً بإنعاش تيار الموالين في غزة، لكي تشتد قوة حضوره الاجتماعي في الشارع، وفي مواجهة حماس، بدل تجويع تيار الموالين وتيئيس الناس من الحياة، ولهذه النقطة حديث آخر. إن كل شيء، الآن، يترنح!

رابط مختصر