حماس و عباس ، بقلم : توفيق أبو خوصة

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 4 مارس 2018 - 6:11 مساءً
حماس و عباس ، بقلم : توفيق أبو خوصة

الشعب الفلسطيني في قطاع غزة الذي تكالب على نحره الأقارب و الأباعد ، وما يتعرض له من الإستهداف المركز و الحرب الشاملة ، يصر على البقاء و الصمود ، يتحدى الموت السريع و القتل البطيء ، يستنهض كل خلاياه الحية للإستمرار في المواجهة و الإشتباك ، هذا الأمر بات جزء أصيل من الشخصية الغزية ، بعد كل ما مر عليه من المآسي و المعاناة التي شيبت الولدان قبل الاوان ، حيث أغلقت كل الآفاق في وجه أكثر من مليوني إنسان ، كثيرون كانوا و ما يزال البعض يراهن على إنكسار غزة و دفعها لرفع الراية البيضاء ، وتحقيق المراد بإخراجها من مدارها الطبيعي و تنازلها الطوعي عن دورها التاريخي كحاضنة للهوية الوطنية الفلسطينية.

إن عمليات التجويع الممنهج و الترويع المبرمج و الحصار الظالم و الإغلاق القاتل المتواصلة حلقاتها منذ عقد و نيف من الزمن ، تأتي في سياق منظم و موجه لم يعد خافيا على أحد ، غير أن شراكة أطراف فلسطينية في هذا المخطط الجهنمي يزيد الأمر حدة و خطورة ، إذ أن ما يقوم به المعسكر المعادي (إسرائيل و أمريكا) و من يحالفونه سرا وجهرا إقليميا و دوليا ليس مستغربا على شاكلة تأكيدات السفير القطري أنه ينسق كل نشاطاته في غزة بما يخدم إسرائيل، أما أن يتصدى للمشاركة في هذه المهمة القذرة بشكل مباشر أو غير مباشر مكونات أساسية من أبناء جلدتنا فهي مثار الغرابة و الإستغراب و يستحق كل أشكال الإدانة ، الرئيس عباس يطالب المجتمع الدولي برفع الحصار عن قطاع غزة و يتباكى على الظروف الإنسانية و المعاناة التي يعيشها ، و في نفس الوقت يشحذ كل سكاكينه لذبح الصغير قبل الكبير بإجراءات تنفيذية مباشرة أو عبر التنسيق الأمني مع العدو الإسرائيلي ، أما سلطة الأمر الواقع الحمساوية في غزة فهي تأخذ البلد و أهلها أسرى بالقوة و الإرهاب ، و تريد أن تعقد صفقة تبادل مع عباس لم تنجح حتى الأن بالرغم من أن جولات التفاوض و الحوار بينهما ممتدة لسنوات عجاف ، تم الإفراج فيها عن شاليط و ماتزال غزة و أهلها أسرى ، بالرغم من أن حماس كانت تحرص أشد الحرص على صحة الجندي الإسرائيلي الأسير و توفير أفضل سبل الحياة له في الأسر الحمساوي ، في حين عندما يتعلق الأمر بأهل قطاع غزة الأسير يجري إستنزاف مقومات وجودهم حتى الرمق الأخير .

لم تدرك حماس إلا مؤخرا أن الرئيس عباس لا يريد تحرير غزة أو إستعادتها أصلا ، كما كانت إسرائيل تسعى ليل نهار لتحرير و إستعادة ( شاليط ) ، أو كما تفعل حاليا مع أسراها الأحياء و الأموات ، بل لجأ إلى خيار ” هنيبال ” العسكري الإسرائيلي المتمثل بإستخدام كل الخيارات لقتل الخاطف و المخطوف و القضاء على الجميع دفعة واحدة ، ما ترونه من مراوغات ثعالب عباس في الحوارات و التوافقات و الإتفاقيات جزء من مسلسل مفضوح يعتقد ممثلوه أن البكائيات الحسينية و جولات اللطم و الردح الإعلامي قادرة على التغطية على أهدافه الدفينة .

غير أن الإدراك الحمساوي لهذه الحقيقة و ما يصاحبها من متغيرات إقليمية عاصفة لم يقربها إلى جادة الصواب و يدفعها بشكل جدي للسير على السكة الوطنية ، بل تسعى للبحث عن صفقة أخرى غير واضحة المعالم و لكن في كل الظروف محددها الرئيسي ماهية المكاسب الحزبية المتوقع أن تحصدها منها ، فهي تعلن غير ما تبطن ، تمارس التقية السياسية و التنظيمية و تناور في مجال يضيق الخناق فيه تدريجيا على الحركة التي إبتلعت منجل قطاع غزة و تصرخ ذات اليمين و ذات اليسار لطلب العون و المساعدة لمن يستطيع أن يساعد فى إخراجه بشرط أن يسلمه لها على طبق من ذهب ، هنا يجب أن تفهم حماس ومن يواليها بأن قطاع غزة عصي على البلع و الهضم مهما جادت قرائحها الإخوانية المنشأ من إبداع و مداورة و مناورة و تقية حتى لو إمتلكت كل أسباب القوة و التمكين فكيف بالأمر إذا كانت تعيش مرحلة سقوط الإسلاموية السياسية و إنهيار الحلم الإخواني الكبير ، هذا إذا صدقنا إنفكاكها من المنظومة الإخوانية العالمية و لن نصدق ، فهي مازالت ترنو بعين إلى ” التومان الإيراني ” و بالأخرى للريال القطري و تنتظر الحلقوم التركي و تغازل الكنانة المصرية كله في آن واحد.

الرئيس عباس يعطل الحياة في كل المؤسسات الدستورية و التشريعية و القيادية الفلسطينية و يصادر القرار الوطني و ينفرد به لنفسه ولا يعير إهتماما لأي شيء آخر ، يعتمد على شرعية و سلطة سقفها بسطار أصغر مجندة أسرائيلية حسب إعترافه ، أما حماس فهي تختبىء في دهاليز و أنفاق المناورة الكلامية ، و فيما حال الشعب الفلسطيني يقول ” بين حانا ومانا ضاعت لحانا ” في الضفة الغربية قبل قطاع غزة الذي يعاني الأمرين و لكن أهله لن يتنازلوا عن دورهم التاريخي في حماية الهوية الوطنية الفلسطينية ، و لديه من القدرة على الصبر و الصمود ما لايوجد في قواميس اللغات أجمع و تقديرات كل الخبراء ، كما أنه يمتلك أيضا الإرادة الحقيقية و قوة الدفع الشعبي الهائلة للتعبير عن ذاته في أي وقت خارج حسابات أصحاب الحسابات ، و يقلب الطاولة على الجميع.

إن الجهد المبذول من الشقيقة الكبرى مصر الذي وصل إلى أبعد مدى لإصلاح ما أفسدته حماس و عباس والعمل على إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح لن يستمر للأبد في ملاحقة المماطلة و التسويف و إفشال مساعيها في كل مرة لأسباب واهية و إختلاق الذرائع و المبررات للتهرب من الإلتزامات الجادة بين طرفي النكبة المتجددة ، كما أن شعبنا لن يقف مكتوف الأيدي بإنتظار سراب المصالحة الموعودة ، فقد بلغ السيل الزبي و طفح كيل المعاناة ، وبات التحرك من أجل التغيير و إسقاط معادلة عض الأصابع و الصفقات الثنائية على حساب الوطن و المواطن و القضية واجب مقدس و فرض عين على كل الأحرار و الشرفاء .

رابط مختصر