كنت فينا عالي الرأس والهمَّة يا أبا عمار بقلم : احمد يوسف

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 12 نوفمبر 2017 - 12:19 مساءً
كنت فينا عالي الرأس والهمَّة يا أبا عمار بقلم : احمد يوسف

كنت فينا عالي الرأس والهمَّة يا أبا عمار بقلم : احمد يوسف

شهد قطاع غزة واحداً من أكبر التجمعات الشعبية في مهرجانات المصالحة المجتمعية والوحدة في ذكرى رحيل الشهيد ياسر عرفات؛ المناضل والزعيم وصانع الهوية الوطنية الفلسطينية، كان اللقاء الحاشد في ساحة الكتيبة الخضراء، والذي شارك فيه عشرات الآلاف من أبناء الوطن وكوادره الشبابية، لوحة تعبيرية زاهية الألوان، تميزت باجتماع الشمل من كافة فصائل العمل الوطني والإسلامي، حيث كانت لغة الخطاب وحدوية بامتياز، كما كانت الفعالية على درجة عالية من التنظيم والإدارة، وسمعنا من الجميع ما يؤكد ما نتطلع إليه كشعب من ضرورة العمل في إطار من الشراكة السياسية والتوافق الوطني، وبروح يسودها التآخي والتسامح والتغافر، وطي صفحة الماضي بعثراته وأخطائه، وما سال خلال ذلك من الدماء، وأهمية اجتماع الصف على كلمة سواء، وحصر البندقية على مواجهة الأعداء.. لقد كانت الكلمات الوحدوية الجامعة، التي أطلقها الكل الفلسطيني بأيدولوجياته المختلفة في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل ياسر عرفات، هي الأبلغ في دحض كل من حاول أن يفرقنا لقصم ظهر ثورتنا، وكسر شوكة مقاومتنا، وتركيعنا للاحتلال.

نعم؛ كان للأخ الشهيد ياسر عرفات اجتهادات سياسية تباينت حول بعضها المواقف، ولكننا لم نختلف على قيادته، وكان دائماً بيننا الزعيم الذي تشدو باسمه ومآثره الألحان.

ياسر عرفات: سيرة ومسيرة ومشوار كفاح

يبقى الشهيد ياسر عرفات (أبو عمار) في الذاكرة الفلسطينية هو العنوان الأبرز لمنظمة التحرير الفلسطينية، وللنضال الوطني الفلسطيني، وأيضاً للفضاء العالمي لفلسطين داخل أروقة السياسة ومحافلها الدولية، لقد وضع الرئيس أبو عمار (رحمه الله) فلسطين على الخريطة الأممية، بالرغم من كل المحاولات الإسرائيلية لطمس القضية، وتظهير الحالة الفلسطينية وكأنها إشكالية لا تتجاوز وضعية “أرضٌ بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض”!!
لقد تحرك أبو عمار في بواكير شبابه من أجل القضية الفلسطينية، ففي أواخر الخمسينيات؛ أي في عام 1958م، شرعت بعض العناصر الإسلامية – بالتنسيق مع ياسر عرفات – في الدخول على خط تنظيم الإخوان المسلمين بمنطقة الخليج العربي، وذلك بهدف تشكيل حالة نضالية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ولكن التوجّس والخوف من اعتراض النظام الرسمي أو عدم ترحيبه بهذه “الحالة النضالية” جعل الإخوان يترددون في التعاطي مع المبادرة، ويسجلون تحفظهم الشديد عليها.

استمرت جهود هذه الطليعة – التي كان يقودها الأخ ياسر عرفات – في العمل لتسويق الفكرة عدة سنوات، حتى وجدت لها العدد الكافي من الأنصار، وآلية الدعم والمناصرة فلسطينياً وعربياً، فانطلقت فتح في مطلع عام 1965م، ثم كانت قيادتها لمنظمة التحرير في 1968م، حيث تمَّ انتخاب (أبو عمار) رئيساً للجنة التنفيذية، وبدأ في التحرك لحشد جهود الاعتراف العالمي لها.

في الحقيقة، لقد صنع (أبو عمار) في مشوار نضاله الطويل للفلسطينيين عنواناً وهوية، وأوجد حالة انتماء تجذَّرت فينا وفاح شذى عطرها مع دم الشهداء والجرحى، ونسمات شموخ المعتقلين والأسرى.

لقد كان أبو عمار بطلاً قومياً، ونموذجاً في الوطنية والتضحية والفداء.. ففي معركة الكرامة عام 1968م كانت وقفته الأسطورية في وجه الهجمة الإسرائيلية وانتصاره الذي مرَّغ أنف الجيش الإسرائيلي في أول اجتياح فاشل استهدف المقاومة الفلسطينية في الأردن.. كان هذا الانتصار ردة اعتبار للأمة العربية التي أذلتها نكسة عام 1967م، مما أعاد للشعب الفلسطيني والرئيس أبو عمار مكانته في الساحة الإقليمية.. وكان صموده وثبات المقاومة أيضاً عندما تعرض لبنان للعدوان وبيروت للحصار في عام 1982م، قبل الرحيل إلى تونس والعودة من هناك عزيزاً إلى أرض الوطن عام 1994م.

كان أبو عمار إنساناً في مشاعره وأحاسيسه، كان في سلوكياته أباً حانياً، يصول ويجول داخل حارات المخيم ويجالس ساكنيه ويمازحهم، ويكفكف بعطفه دموعهم، ويربت على أكتاف الجرحى، ويقبل رؤوس الشهداء، ويغبر أقدامه في وداعهم، ويسقي بدموع عينيه مدافنهم وآثارهم.

كان أبو عمار (رحمه الله) يرعى أبناء الشهداء وأسرهم، ويحفظ لهم العهد.. كان جواداً كريماً، يمنح – دائماً – بسخاء من لا يخشى من ذي العرش إقلالاً.

أبو عمار – اتفقنا أو اختلفنا معه – يبقى رمزاً وطنياً، أحببنا فيه الوطن، وقدّرنا فيه إخلاصه لقضيته وشعبه، وكنّا – ونحن شباب – نشاهد ابتساماته العريضة، التي تغرس فينا الأمل بقرب تحقيق حلم العودة وقيام الدولة الحرة المستقلة.

في الحقيقة، كان ياسر عرفات – اتفقنا أو اختلفنا معه – هو صانع الهوية الوطنية، حيث فرض اسم فلسطين، ونقش طقوس الاحترام لشعبها، وأوصلها كقضية إلى كل المحافل الدولية، وصار الفلسطيني بكوفيته رمزاً للثورة، وعنواناً للنضال ضد كافة أشكال الاحتلال والعنصرية.

لله درّك يا أبا عمار.. كم تجاوزت المصاعب والعقبات، حتى أطلق بعضهم عليك لقب “الزعيمُ ذو السبعة أرواح”.

لقد نجحت في كسب الدعم العربي والإسلامي لقضية فلسطين ولثورتها، وتوفير الإغاثة لشعبها.. لقد فتحت لك العواصم العربية والغربية أبوابها، فكنت دائم الحضور لتأكيد عروبة فلسطين ومظلومية أهلها.. لقد جعلت المجتمع الدولي يعيد إلى طاولة النقاش كل الملفات التاريخية الخاصة بفلسطين، على أمل الاستدراك وإعادة العدل إلى نصابه.. كنت تتطلع – يا أبا عمار – إلى أمة عربية وإسلامية تنصرك وتنتصر لقضيتك، ولكن الرسميّة العربية كما الإسلامية خذلتك، كما خذلتنا جميعاً من بعدك.

لم تكن الثورة بلا أخطاء، بل كانت الممارسات الخاطئة تلاحقها، حاول أبو عمار إمساك العصا من المنتصف بهدف إنقاذ الثورة وتطوير قدراتها، ولكن رهاناته على النظام العربي أوقعته في دائرة التناقضات والصراعات.. من هنا، بدأت رحلة الفلسطيني على طريق التيه والحيرة، والتخبط على غير هدى.
لم تكن المسيرة سهلة على القائد والزعيم، إذ حاول – بذكائه السياسي – أن يكسب الجميع، فقبّل رؤوس الرسميات العربية وعانقها جميعاً كِرْمال عيون فلسطين، ولكن الشقاق القائم داخل الصف العربي كان أكبر من أي جهد لأبي عمار، حيث تشرذمت ساحة العرب، وغدت صفوفهم شيعاً وأحزاباً.. فالرسميات العربية كانت – للأسف – مجرد بيادق لها أسيادها ومساراتها المحظورة، التي جعلت سفينتك تلاطم الموج وحدها في بحر الظلمات.
استدرجوك إلى مدريد وأوسلو وكامب ديفيد لينتزعوا منك حقوق شعبك وثوابته الوطنية، ولكنك كنت الأوعى فلم ينالوا من عزيمتك.. لا شك أن بعضهم حاول خداعك وتضليلك والتدليس عليك، خدمة لعيون أمريكا وربيبتها إسرائيل.
بعد خطيئة العراق بغزو الكويت في مطلع التسعينيات، كثرت عثرات العرب، وانعكست آثارها السلبية على القضية الفلسطينية، حيث شاهدنا في بداية التسعينيات كيف انجرَّ العرب إلى مؤتمر مدريد للسلام، وبدأ البعض منهم في تطبيع العلاقة مع إسرائيل.. ثم تلاحقت الانهيارات تحت عناوين واتفاقيات كان الفلسطينيون فيها هم الخاسر والضحية. واليوم، وفي الذكرى الثالثة عشرة لرحيك يا أبا عمار، تبدو بوصلة العرب قد تاهت وجهتها، ودخلنا في مستنقع من الصراعات التي أضاعت القضية، وحرفت مساراتها.

مشوار طويل قطعه (أبو عمار) من أوسلو إلى كامب ديفيد، إلى الحصار داخل المقاطعة في رام الله.. لن ينسى شعبنا صمود (الختيار) ومواقفه، تلك التي كانت تتحدى إشارات التهديد بالموت والحصار… لم تلن له قناة، ولم تنكسر له عزيمة، وظلت ابتسامته أو غضبته تحرك فينا الأمل، وتعزز من صمود شعبنا ورفضه لكافة أشكال الاحتلال.

كم كانت قامتك عالية يا أبا عمار، وكم كان حبك صادقاً لهذا الشعب؛ شعب الجبارين، كما كان يحلو لك وصفه انسجاماً مع النص القرآني: (إنَّ فيها قوماً جبارين).

لم يقل التاريخ كلمته بعد يا أبا عمار.. وإن كنّا على قناعة بأن صفحاته سوف تنصفك؛ لأن محبتك تسكن قلوب شعبك في الوطن والشتات، وهي مصدر إلهامٍ لهم جميعاً.

أبو عمار: الرمز والقضية والهوية الوطنية

ربما يدرك كل من عاش خارج هذا الوطن واستقر به المقام في بعض الدول الغربية، أن السيد ياسر عرفات (رحمه الله) كان هو بمثابة البصمة الوراثية (DNA) للشعب الفلسطيني وهويته الوطنية. لقد كنا – أحياناً – نحتاج لذكر اسمه ونحن نحاول التعريف بأنفسنا وببلدنا، حتى يفهم البعض في أمريكا وأوروبا من أي بقاع الأرض جئنا، وما الذي يمثله بلدنا العزيز. لقد كنا نجيب على من يسألنا عن أصولنا ووطننا الأم بالقول: إننا من فلسطين.. فيرد باستغراب وتردد: باكستان…!! نكرر الرد قائلين: فلسطين، وذلك بتشديد النطق على كل حروفها، فيصدمك رده المتلعثم: أفغانستان…!! تعاود القول بعناد واعتزاز، لا.. أنا من فلسطين؛ الأرض المقدسة، القدس، المسجد الأقصى، كنيسة القيامة، ياسر عرفات.. عندها يهز رأسه علامة الفهم، ويردد بإعجاب ياسر عرفات. عندئذ ترفع له الابهام “أصبع البصمة”، وتقول بفخر: نعم؛ نعم.

لقد صنع الأخ الشهيد (أبو عمار) لهذا الشعب هوية الفلسطيني الثائر في وجه المحتل الغاصب، وهوية المناضل من أجل قيم الحرية والكرامة الإنسانية، وهوية المنتفض ضد الظلم والقهر والاستبداد.. هوية رسمت ملامحها كوفية الفدائي وطفل الحجارة الذي يتحدى – بكل جسارة وإصرار- آلة الحرب والعدوان الإسرائيلية، ويجدع بمقلاعه أنف الغطرسة الصهيونية، ويكسر شوكة جيش الاحتلال المدجج بآلة القتل والدمار، هوية الاستشهادي الذي يحمل روحه على راحته ليهب لشعبه الحياة، ويبعث – بدمه وأشلائه الطاهرة – في جسد أمته ربيع النهوض والشهود الحضاري.

ياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين: تجليات الحكمة والوطنية والاستشهاد

ذكرتنا الاحتفالية المهيبة بساحة الكتيبة الخضراء بقافلة الشهداء، حيث كانت صورتك يا أبا عمار مع الشيخ أحمد ياسين تملأ المكان وتحتضن الأفق.. لن تنسى الساحة الإسلامية والوطنية مشهد الزعيم (أبو عمار) وهو يطبع قبلة على جبين الشيخ أحمد ياسين، كانت الرسالة التي التقطتها العيون أن جوهر العلاقة بين فتح وحماس هي: “إن اختلاف الرأي والموقف لن يفسد قضية الود والمحبة بيننا”.

لم تنقطع حالة التواصل بين الزعيم (أبو عمار) والشيخ أحمد ياسين، وظلت “شعرة معاوية” قائمة على أصولها.. وبين حكمة الرجلين وبُعد النظر في رؤية كل منهما تجاه الآخر، تعايشت فتح وحماس، فكانت المقاومة الإسلامية تحظى بمساحات واسعة من التشجيع وغض الطرف عن عملياتها العسكرية، حيث إن أبا عمار كان يفقه لغة الحرب والسياسة، ويحاول بذلك المزاوجة بين المقاومة والمفاوضة، باعتبار أنَّ الأولى هي وسيلة قوية لتحسين شروط التفاوض وتحصينها على طاولة الحوار.

رحمك الله يا أبا عمار.. فستبقى ذكرى استشهادك للأجيال محرك استنهاض وبعثاً لشعب عظيم، كما أنها ستكون عنواناً وصفحات عزٍّ للتذكير بجهاد شعبنا ونضاله المستمر في وجه الاحتلال، وستظل كلماتك ومواقفك حتى الرمق الأخير هي المشكاة المضيئة وكنانة السهام للمقاومين الأبطال، حتى يتحقق الحلم في التحرير والعودة والحرية والاستقلال.

وختاماً؛ ونحن في يوم الذكرى، لن تغيب طلعتك وابتسامتك وكلماتك الخالدة أياماً قبل الوداع؛ شهيداً يا أبا عمار، والدمع لا يكفي على من سكن في حنايا قلوبنا، وترك باستشهاده فيها ألف بصمة وأثر.

وداعاً أيها الأب والقائد والزعيم.. وداعاً يا أبا عمار.. نقولها ونحن نطوي – بُحزنٍ وأسى – ثلاثة عشرة سنة من الرحيل وحضرة الغياب.

كم كنا سعداء ونحن نشاهد هذه الآلاف من الشباب، الذين وفدوا لإحياء الذكرى الثالثة عشرة لرحيك، ويحمل كل واحد منهم شيئاً من مشاعر الوطنية التي كرَّستها فينا، ليقف الجميع من فتح وحماس والجهاد الإسلامي وقوى اليسار على منصة الذكرى يهتف باسمك ويتغنى بذكراك.. غالي يا أبا عمار غالي.

لقد مضى ياسر عرفات إلى ربه شهيداً؛ نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً، ولكننا في حركة حماس – وهذه شهادة للتاريخ – لا نبخس الرجل زعامته وفضله، ولا ننسى مواقفه ووقفاته مع الشيخ أحمد ياسين والدكتور موسى أبو مرزوق والمهندس إسماعيل أبو شنب، وهو قائد اختلفنا معه – وهذه أيضاً حقيقة – في بعض اجتهاداته السياسة، ولكن زعامته لم تكن موطن خلافٍ بيننا، أو كما اعتاد الكل الوطني القول: “اختلفنا معه، ولكننا لم نختلف عليه”.

لن يُغيِّب أحدٌ أبا عمار عن مشهد الحضور، فهو ذاكرة لا تغيب، حيث له حصة في كل بيت فلسطيني، أو كما قال شاعر الوطن محمود درويش: “في كلِّ واحدٍ منَّا ذكرى شخصية منه، وعناقٌ، وقبلة”.
رحمك الله يا أبا عمار.. فستبقى ذكرى استشهادك ذاكرة وعنواناً لجهاد شعبنا ونضاله في وجه الاحتلال، حتى تحقيق الحرية والاستقلال.

رابط مختصر